أثرٌ كالمطر.. حين تنحني السماء لتمنح الحياة
بعد أن أسدل الليل ستاره على غزة، لم تكن المدينة كما كانت. جدرانها المتهالكة تشهد على حربٍ تركت أثرها في كل حجر، وفي كل روحٍ أُرهقت من الانتظار. كانت الأزقة مليئة بالذكريات المحترقة، والسماء ما زالت تحمل بقايا الدخان، لكن تحت هذا الرماد، كان هناك نبضٌ لا يخفت، وأملٌ يتسلل من بين الأنقاض كالشمس حين تشرق بعد عاصفة هوجاء.
في ذلك الصباح، لم يكن صوت الشاحنات العابر للحدود مجرد ضجيج معدني، بل كان أشبه برسالة من الحياة نفسها. وصلت القوافل محملة بمئات الطرود الغذائية، التي لم تكن مجرد صناديق من الطعام، بل صناديق من الرحمة، تفتح لتكشف عن أملٍ جديد، وأيدٍ امتدت من بعيد لتقول للمنهكين: لستم وحدكم. الامل العالمية معكم كل وقت وحين.
كان الاسم الذي تردد بين الأيادي الممتدة للشكر، وبين الدعوات الصاعدة مع أنفاس الصغار، هو اسمٌ نقي كالمطر حين يلامس الأرض العطشى: الفاضل بومحمد، حمد بن محمد الشهواني. ذلك الرجل الذي حمل همّ المنكسرين على كتفيه، وسار بقلبٍ تملؤه الرحمة، مدركًا أن الكرم لا يكون لحظة، بل هو أثرٌ ممتد، كالغيث الذي ينبت الحياة حيثما مرّ.
لم يكن غريبًا أن تمتد أيادي الخير من دوحة العطاء، قطر، حيث الجود ليس صفة، بل هويةٌ متأصلة في قلوب أهلها. كان الأثر واضحًا، فالطرود الغذائية التي وصلت لم تكن مجرد معونات، بل كانت حياة تُستعاد، وأطفالًا يبتسمون بعد ليالٍ من الجوع، وأمهاتٍ يخبزن الخبز بدموع الفرج، ورجالًا يتقاسمون اللقمة بنفسٍ مطمئنة، لأن في هذا العالم لا يزال هناك من يمد يده دون أن يسأل، ودون أن ينتظر مقابلًا.
وقف الشيخ العجوز، الذي رأى في حياته أكثر مما يحتمله قلبٌ بشري، ينظر إلى السماء ويتمتم دعاءً خاشعًا: “اللهم اجعلها سقيا رحمة لا سقيا عذاب، وبارك لمن سعى وأعطى، ومنح بيمينه ما لا تعلمه يسراه. اللهم احفظ بومحمد وأهله، وأبناؤه وأحفاده، وأكرمهم كما أكرموا عبادك، واجعلهم في ظلك يوم لا ظل إلا ظلك.”
كان أثر الفاضل بومحمد كالمطر، لم يطرق بابًا واحدًا، ولم يكتفِ بمكانٍ دون آخر، بل تسلل إلى القلوب كما تتسلل قطرات المطر إلى الأرض العطشى، فأحيا ما كان يوشك أن يموت، وأنبت ما كاد أن يُمحى.
وهكذا هو الخير حين يكون صادقًا.. لا يُنسى، ولا ينضب، بل يظل ينبت عامًا بعد عام، حتى يصبح ظلًا وارفًا لمن زرعه، ومن مرّ تحته يومًا ودعا.
أثرٌ كالمطر.. حين تنحني السماء لتمنح الحياة



